النويري

140

نهاية الأرب في فنون الأدب

فإن أباح ظلمهم لم يصل إليه نفعهم ، ولحقه الضرر ، وصار النفع لغيره » . ووقف له رجلان من أهل القيروان ، وهو بالمقصورة في جامع رقادة . فأدناهما إليه وسألهما عن حالهما فقالا له : « كنا شريكين للسيدة . « يعنيان أمه » في جمال وغيرها . فاحتبست لنا ستمائة دينار » . فأرسل إليها خادما فقالت : « نعم هو كما ذكرا إلا أن بيني وبينهما حسابا . وإنما احتبست هذا المال حتى أحاسبهما . فإن بقي عليهما شئ وإلا دفعت مالهما إليهما » . فقال للخادم : « ارجع إليها وقل لها : واللَّه لئن لم توجهى بالمال وإلا أوقفتك الساعة معهما بين يدي عيسى بن مسكين » . فوجهت بالمال إليه . فدفعه إليهما وقال : « أما أنا فقد أنصفتكما فيما ادعيتما ، فاذهبا واقطعا حسابها وإلا فأنتما أعلم » . وكان إذا تبين له الظلم قبل أحد من أهل بيته وولده بالغ في عقوبته والإنصاف منه . فكان ولده ورجاله يوم الخميس يأمرون « 1 » عبيدهم ورجالهم أن يطوفوا في الأزقة والفنادق ، ويسألوا : هل أتى شاك أو متظلَّم من عبد أو وكيل ؟ فإذا وجدوا أحدا أتوا به إلى دار ولد الأمير أو قرابته فينصفه . ومن مساوىء أفعاله أنه أسرف في سفك دماء أصحابه وحجابه حتى يقال إنه افتقد منديلا كان يمسح به فمه من شرب النبيذ - وكان قد سقط من يد بعض جواريه فأصابه خادم - فقتله وقتل بسببه ثلاثمائة خادم . وهذا غاية في الجور ونهاية في الظلم .

--> « 1 » ص ، ر : يأخذون .